عانى المريض الذي تلقى علاجه في مستشفى برجيل أبوظبي من مرض ستيل الذي يصيب البالغين، وهو مرض مناعي ذاتي نادر يصيب ما يقارب من شخص إلى 4 من كل مليون شخص حول العالم
أبوظبي: في واقعة طبية لافتة، واجه مريض (34 عامًا)، المقيم في أبوظبي أزمة صحية مفاجئة بعد إصابته بحمى شديدة ومتواصلة لأكثر من أسبوعين، وخلال مراجعاته المتكررة للمستشفى، خضع لسلسلة من الفحوصات الروتينية الشاملة، شملت زراعة الدم وتحاليل الكشف عن العدوى، إلا أن النتائج لم تُحدد سبب الأعراض، فيما استمرت حالته بالتدهور. ومع تزايد آلام المفاصل المُنهكة والإرهاق الشديد، وظهور مؤشرات التهاب حاد وتأثر في وظائف الكبد، بدأت حالته تثير مخاوف من تطور مضاعفات قد تهدد حياته.
وأمام استمرار الأعراض وشدتها، تحرك الفريق الطبي في مستشفى برجيل بأبوظبي بشكل عاجل لإجراء تقييم معمّق، ليتبين إصابته بداء ستيل لدى البالغين، وهو مرض مناعي ذاتي نادر يصيب ما يقارب من شخص إلى 4 من كل مليون شخص حول العالم.
اضطراب يصعب تشخيصه
قال الدكتور نياس خالد، أخصائي الطب الباطني، إن تشخيص داء ستيل لدى البالغين يُعد من أكثر التشخيصات تعقيدًا، نظرًا لندرته وتشابه أعراضه مع العديد من الأمراض المعدية. وأضاف: “هذا المرض قد يتداخل في أعراضه مع حالات خطيرة مثل العدوى الشديدة، واضطرابات المناعة الذاتية، وأمراض الكبد، وحتى بعض أنواع السرطان، ما يجعل اكتشافه صعبًا، خصوصًا في المناطق التي تُفسَّر فيها الحمى غالبًا على أنها نتيجة أسباب معدية”، وقد تولّى الدكتور نياس علاج المريض بالتعاون مع الدكتور عبد الحكيم محمد، أخصائي الطب الباطني.
وخلال وجوده في المستشفى، خضع المريض لسلسلة من الفحوصات الدقيقة لاستبعاد الاحتمالات الأخرى، إلا أن التحدي الأكبر تمثّل في غياب الطفح الجلدي، وهي علامة تُذكر عادة في المراجع الطبية، لكنها قد تكون غير موجودة أو يصعب ملاحظتها لدى أصحاب البشرة الداكنة.
وفي هذه الحالة، ظهرت مؤشرات استثنائية شملت حمى طويلة الأمد، والتهابًا حادًا، واعتلالًا في وظائف الكبد، إلى جانب ارتفاع كبير في مستويات الفيريتين، ومع سلبية نتائج فحوصات الأمراض المعدية والمناعية، شكّل هذا الارتفاع غير المعتاد في الفيريتين كمؤشر قوي على الالتهاب ونقطة فاصلة في مسار التشخيص. وأوضح الدكتور نياس: “عند اجتماع هذه المؤشرات مع ارتفاع يومي حاد في درجة الحرارة ضمن نمط منتظم، أصبح داء ستيل لدى البالغين هو التفسير الوحيد لحالة المريض، رغم ندرته الشديدة”.
مميت إذا لم يُشخص في الوقت المناسب
عند الإصابة بداء ستيل البادئ في البالغين، يصبح جهاز المناعة لدى المريض مفرط النشاط ويهاجم نفسه، مما يُسبب التهابًا واسع الانتشار، وإذ لم يُشخص المرض ويُعالج في الوقت المناسب، فقد يتطور إلى مضاعفات خطيرة مثل تلف الأعضاء، والتهاب المفاصل الالتهابي المزمن، وفشل الكبد، أو نوبة مناعية قد تكون قاتلة تُعرف باسم متلازمة تنشيط البلاعم، في هذه الحالة، كان التدخل المبكر حاسماً في تغيير مسار الحياة.
يتذكر المريض قائلاً: “خلال تلك الأيام، كنت أرتجف من شدة الحمى، وأعاني من صعوبة في النهوض من الفراش، ورفع يديّ، وتحريك جسدي، لم تكن لديّ شهية بسبب ألم الحلق، ورغم تناولي الدواء، عادت الحمى إليّ، مما أرهقني نفسياً”.
العودة إلى الحياة الطبيعية
بمجرد التأكد من إصابة المريض بداء ستيل لدى البالغين، بدأ الفريق الطبي العلاج بجرعات عالية من الكورتيكوستيرويدات، وهو العلاج الأساسي لهذه الحالة، بعد الجرعات العالية الأولية، تم تخفيض جرعة الستيرويد تدريجياً على مدى عدة أسابيع لكبح الاستجابة المناعية مع السماح بالتعافي الآمن، يوضح الدكتور نياس: “في غضون 24 ساعة، انخفضت الحمى، وخلال 48 ساعة، شعر المريض بتحسن ملحوظ، مع انخفاض آلام المفاصل وتحسن مستويات الطاقة، كما تحسنت المؤشرات المخبرية بالتوازي”.
يقول المريض: “أنا سعيد للغاية لأنني أستطيع تحريك جسدي دون مساعدة لأول مرة منذ فترة، لقد منحني جميع العاملين في المستشفى الأمل خلال فترات العلاج”.
على الرغم من تعافيه بشكل ملحوظ، إلا أن المتابعة المستمرة ضرورية لأن مرض ستيل للبالغين قد يعود لدى بعض المرضى، وسيواصل المريض المتابعة الدورية مع أخصائيي الطب الباطني والروماتيزم لمراقبة أي علامات انتكاس وضمان استقرار حالته على المدى الطويل.